فخر الدين الرازي

239

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة ، مثل هذا الذي في قصة النحل . وعن ابن مسعود : أن العسل شفاء من كل داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور . واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله : شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق ، فهو غير مناسب . والثاني : ما روى أبو سعيد الخدري : أنه جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقال : إن أخي يشتكي بطنه فقال : « اسقه عسلا » فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فلم يغن عنه شيئا ، فقال عليه الصلاة والسلام : « اذهب واسقه عسلا » فذهب فسقاه ، فكأنما نشط من عقال ، فقال : « صدق اللّه وكذب بطن أخيك » وحملوا قوله : « صدق اللّه وكذب بطن أخيك » على قوله : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل . فإن قال قائل : ما المراد بقوله عليه السلام : « صدق اللّه وكذب بطن أخيك » . قلنا : لعله عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك ، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك ، كان هذا جاريا مجرى الكذب ، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ . ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ واعلم أن تقرير هذه الآية من وجوه : الأول : اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها . والثاني : اهتداؤها إلى جميع تلك الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق . والثالث : خلق اللّه تعالى الأجزاء النافعة في جو الهواء ، ثم إلقاؤها على أطراف الأشجار والأوراق ، ثم إلهام النحل إلى جمعها بعد تفريقها وكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله العالم بنى ترتيبه على رعاية الحكمة والمصلحة ، واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 70 ] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) المسألة الأولى : لما ذكر تعالى بعض عجائب أحوال الحيوانات ، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس ، فمنها ما هو مذكور في هذه الآية وهو إشارة إلى مراتب عمر الإنسان ، والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب : أولها : سن النشو والنماء . وثانيها : سن الوقوف وهو سن الشباب . وثالثها : سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة . ورابعها : سن الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة . فاحتج تعالى بانتقال الحيوان من بعض هذه المراتب إلى بعض ، على أن ذلك الناقل هو اللّه تعالى والأطباء الطبائعيون قالوا : المقتضي لهذا الانتقال هو طبيعة الإنسان ، وأنا أحكي كلامهم على الوجه الملخص وأبين ضعفه وفساده ، وحينئذ يبقى أن ذلك الناقل هو اللّه سبحانه ، وعند ذلك يصح بالدليل العقلي ما ذكر اللّه تعالى في هذه الآية . قال الطبائعيون : إن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني والدم جوهران حاران رطبان ، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قللت رطوبته وأفادته نوع يبس ، وهذا مشاهد معلوم ، قالوا : فلا يزال ما في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما فيه من الرطوبة حتى تتصلب الأعضاء ويظهر فيه الانعقاد ، ويحدث العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط